مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية

60

موسوعه أصول الفقه المقارن

محظوراً ؛ لخروج المكلّف بذلك عن زي العبودية ، بخلافه في المسألة الثانية ، فإنّ المكلّف لا يعاقب على مخالفة الاشتغال إلّاإذا كان ملزماً بالتكليف واقعاً « 1 » . وبهذه الفروق الثلاثة بين المسألتين يتضح عدم صحة المقايسة بينهما ، ولا الاستدلال بإحداهما على الأُخرى ، إذ لا تلازم بين القول بالإباحة والقول بالبراءة ، ولا بين القول بالحظر والقول بالاحتياط . نعم ، من قال في المسألة الأولى بالحظر عليه إقامة الدليل على انقلاب الأصل إلى البراءة في الثانية ، بخلاف من قال بالإباحة في الأولى فهو في فسحة عن إقامة الدليل على البراءة « 2 » . الأقوال في الإباحة الأصلية اختلف الأصوليون في حكم الأشياء قبل الشرع على عدة آراء : الرأي الأول : الإباحة ، وهو مختار المعتزلة البصريون « 3 » ، وأصحاب أبي حنيفة « 4 » ، وطائفة من فقهاء الشافعية « 5 » ، وجماعة من الحنابلة « 6 » ، وأكثر الإمامية « 7 » ، وقيل : إنّها من دين الإمامية « 8 » . واستدلوا لها بالأدلة التالية : الدليل الأول : أنّه لو كانت في هذه الأفعال مضرة لوجب على اللطيف الحكيم إرشاد الناس إليها وتحذيرهم منها « 9 » . وأورد عليه بأنّ وجوب الإرشاد على اللَّه تعالى مرفوض بعد اتضاح طريقة العقلاء في الطاعة والعصيان ، وما ينبغي أن يفعلونه في هذا المجال من تجنب محتمل الضرر ؛ لكونه كمقطوعه « 10 » . الدليل الثاني : أنّ اللَّه خلق الأشياء ليعيش عليها عباده ويتلذذ بها خلقه فلا بدّ أن تكون مباحة « 11 » ، وإلّا لزم أن يكون ما فعله عبثاً ، تعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً « 12 » . وأورد عليه بأ نّه قد تكون هناك فوائد مترتبة على هذه الأشياء ليست عقولنا قادرة على إدراكها « 13 » . الدليل الثالث : هو أنّ ضرورة العقل قاضية بالإباحة بعد فقدان أي دليل على الوجوب أو الحرمة أو الكراهة أو الاستحباب ، إذ لا يبقى إلّااحتمال الإباحة ؛ لعدم خلو أي واقعة من حكم من أحكام اللَّه تعالى « 14 » . وأورد عليه - مضافاً إلى ما تقدم من أنّ العقل ليس من شأنه إلّاتشخيص الحسن والقبح ، وليس بإمكانه إصدار الأحكام - أنّه لا دليل معتبر على عدم خلو كلّ واقعة من

--> ( 1 ) . نهاية الدراية 4 : 128 . ( 2 ) . فوائد الأصول 3 : 328 - 329 ، نهاية الأفكار 3 : 199 . ( 3 ) . المعتمد 2 : 315 ، ونسبه إليهم في اللمع : 246 ، والمحصول ( الرازي ) 1 : 47 ، ونهاية الوصول ( العلّامة الحلّي ) 1 : 139 . ( 4 ) . نسبه إليهم في اللمع : 246 ، والمحصول ( الرازي ) 1 : 47 . ( 5 ) . تيسير التحرير 2 : 172 ، المحصول ( الرازي ) 1 : 47 . ( 6 ) . نقل ذلك عنهم أبو يعلى في العدّة في أصول الفقه 2 : 260 ، والدكتور عبد الكريم النملة في إتحاف ذوي البصائر 1 : 411 . ( 7 ) . انظر : الذريعة 2 : 809 ، تهذيب الوصول : 55 ، مبادئ الوصول : 87 ، القوانين المحكمة : 255 . ( 8 ) . نقله عن الصدوق في فرائد الأصول 2 : 43 ، وانظر : الاعتقادات : 114 . ( 9 ) . نقله الطوسي عن القائلين بالإباحة في العدّة في أصول الفقه 2 : 746 - 747 . ( 10 ) . الذريعة 2 : 810 - 811 ، العدّة في أصول الفقه ( الطوسي ) 2 : 747 . ( 11 ) . الحاشية على كفاية الأصول 2 : 219 . ( 12 ) . الذريعة 2 : 819 ، المعتمد 2 : 320 - 321 ، التمهيد في أصول الفقه 4 : 280 ، معارج الأصول : 204 - 205 . ( 13 ) . مطارح الأنظار 2 : 413 . ( 14 ) . الفصول الغروية : 347 .